أبي منصور الماتريدي

11

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

واصطلاح منهما جميعا . وفي الآية دلالة : أن الحق : هو القصاص ، لا غير ، بقوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ أخبر أن المكتوب عليه والمحكوم القصاص ، فلو كان الخيار بين القصاص والعفو وأخذ الدية - شاء أو أبى - لكن لا يكون مكتوبا عليه القصاص ، ويذهب فائدة قوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ إنما كان يكون عليه أحدهما ، كما لا يقال في الكفارة : بأن المكتوب عليه العتق ، بل أحد الثلاثة . فلما قال : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ دل أن أخذ الدية كان كالخلف عنه . وما روى عنه صلى اللّه عليه وسلم حيث قال لولى القتيل : « أتعفو عنه » ؟ قال : « لا » . فقال : « أتأخذ الدية » ؟ قال : « لا » « 1 » . إنما عرض عليه الدية ، لما علم أن القاتل يرضى بذلك ، على ما روى أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فأخبرته بغض زوجها . فقال لها : « أتردين عليه حديقته ؟ » قالت : نعم ، وزيادة . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أما الزيادة فلا » « 2 » وإنما قال لها ذلك لما علم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أنه يرضى بطلاقها إذا ردت عليه حديقته ؛ فعلى ذلك الأول . ولو كانت لفظة « العفو » تعبر عن إلزام الدية ما أحوجه إلى ذكر الإشارة إلى العفو مرة ، وإلى أخذ الدية ثانيا ؛ فثبت أن ليس للذي يعفو أن يأخذ الدية بالعفو . وقيل في قوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ : أصلها أنها نزلت في دم بين نفر يعفو أحدهم عن القاتل ، ويتبع الآخرون بالمعروف في نصيبهم ؛ لأنه ذكر « الشئ » ، والشئ : هو العفو عن بعض الحق . فألزم الاتباع للآخرين عند عفو بعض حقه ؛ ثبت أن العفو لا يلزم الدية . وروى عن عمر « 3 » وعبد الله بن مسعود « 4 » وعبد اللّه بن عباس ، رضى الله تعالى عنهم ، أنهم أوجبوا في بعض عفو الأولياء ، للذين لم يعفوا - الدية ، على ترك السؤال عمن عفا عنك عفوت بدية ، ولو كان ثم حق ذكروه له ؛ فدل أن العفو لا يوجب الدية .

--> - 988 ) كتاب الحج ، باب تحريم مكة وصيدها ( 447 / 1355 ) . ( 1 ) تقدم . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 9 / 395 ) كتاب : الطلاق ، باب : الخلع ، حديث ( 5273 ) ، والنسائي ( 6 / 169 ) كتاب : الطلاق ، باب : ما جاء في الخلع ، وابن ماجة ( 1 / 663 ) كتاب : الطلاق ، باب : المختلعة تأخذ ما أعطاها ، حديث ( 2056 ) ، والدارقطني ( 4 / 46 ) كتاب : الطلاق والخلع والإيلاء ( 135 ) ، والبيهقي ( 7 / 313 ) ، والبغوي في شرح السنة ( 5 / 141 - 142 ) من طريق عكرمة عن ابن عباس به . ( 3 ) انظر السنن الكبرى للبيهقي ( 8 / 59 - 60 ) . ( 4 ) ينظر : التخريج السابق .